السر المحجوب: كواليس الوليمة الإبليسية ولعنة البحث الخارجي عن السعادة

صورة تعبيرة من أفخم ما يكون تجسد قصة وليمة ابليس التي أفاضت الكثير من المداد

في غياهب سحيقة لا تصلها خيوط الشمس، وحيث تتداخل الظلال لتصنع عرشاً من الخراب، أقام إبليس وليمة عظيمة حشد لها دهاة الشياطين ومردة المكر. لم تكن الوليمة للاحتفال، بل كانت محفلاً فكرياً أسود لصياغة خطة جهنمية تستهدف استلاب أثمن ما يملكه الإنسان على وجه البسيطة، وإغراقه في تيه أبدي لا مخرج منه.


وقف إبليس مستوياً على عرشه، ونظر في وجوه أتباعه قائلاً بصوت يفيض فحيحاً:

"لقد أعيانا هذا المخلوق الطيني بسعيه الدؤوب نحو الخلاص والسكينة. أخبروني، كيف نسلب منه أثمن كنز يبحث عنه، ونتركه هائماً في صحراء الشقاء؟"




صراع الأفكار في محفل الجحيم

تعالت الأصوات وتضاربت الآراء في ردهات المحفل المظلم. فقام شيطان مريد، تملأ وجهه ندوب المكر، وقال:

"يا سيد الظلام، لنغزُ حصونهم الإمبراطورية، ولنسلبهم ثرواتهم وأموالهم، ونتركهم يعانون الفقر والفاقة!"


ابتسم إبليس بسخرية باردة، وهز رأسه نفياً وقال:

"كلا، ما أجهلك بتركيبة هذا الكائن! إن سلَبناه ماله سيعمل ويكدح ويسترجع قوته، بل إن الفقر قد يقوده إلى التضرع والسمو الروحي. بل العكس هو الصواب؛ سنغرقهم في لُجج الماديات وتراكم الثروات، حتى تكثر مشاكلهم وتتضاعف أنانيتهم، فيزدادوا شقاءً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً."

ثم قام شيطان آخر، تلمع عيناه ببريق الجنون، واقترح قائلاً:

"إذن، لنسلبهم عقولهم، ونحرمهم نعمة التفكير والتدبر!"


ضحك إبليس ضحكة دوت في أركان الجحيم وردّ عليه:

"ويحك! إن سلبناهم العقول، فكيف سيتجرعون مرارة بؤسهم؟ وكيف سيشعرون بعمق تعاستهم؟ إن متعة تعذيبهم تكمن في أن تظل عقولهم حاضرة لتدرك حجم ضياعها!"




الفكرة العبقرية: سلب الغاية العظمى

وسط حيرة الشياطين وسكوتهم، تقدمت من بين الصفوف شيطانة عجوز شمطاء، انحنى ظهرها من فرط ما عاينت من مكائد التاريخ البشري، وقالت بنبرة تفيض خبثاً ودهاءً:

"يا إبليس، يا عدو كل خير ومنبع كل شر.. إن هذا الإنسان لا يتحرك في حياته إلا مدفوعاً بغاية عظمى وهدف نهائي واحد يسمى: السعادة. السعادة هي وقوده الروحي ودرعه المنيع ضد مكائدنا. دعنا نسرق منه سعادته، وحينها سيتلاشى نوره، ويصبح جسداً بلا روح، هائماً في دياجير الكآبة والضياع."


لمعت عينا إبليس ببريق من الإعجاب والارتياح، وهتف قائلاً:

"أصبتِ كبد الحقيقة! السعادة هي درعهم الخفي. لنسرق سعادتهم إذن!"


معضلة المخبأ ومستقبل التطور البشري


لوحة فنية مميزة جدا تعبر عن قصة وليمة إبليس التي تعد من روائع القصص


لكن سرعان ما واجه المحفل الأسود معضلة أشد تعقيداً؛ أين سيوارون هذا الكنز المسروق؟ أين يخبئون السعادة حتى لا يعثر عليها الإنسان مجدداً؟

  • قال شيطان مغامر: "لنقذف بها في أعمق نقطة من المحيطات والبحار السحيقة!"

  • وقال آخر: "لنخفِها في أقاصي الأرض الخالية وراء الجبال الشاهقة!"


تنهد إبليس بملل واعتراض، وقال مفنداً مخاوفه:

"أنتما تستهينان بقدرة هذا المخلوق وعقله الجبار. إنها بضع مئات من السنين فقط، حتى يطور علمه ويخترع الطائرات التي تمخر عباب السماء، والغواصات التي تغوص في بطون البحار، وعابرات القارات التي تطوي الأرض طياً. سيبحث في قمم الجبال وأعماق البحار، وسيعثر على سعادته عاجلاً أم آجلاً."


هندسة الضياع في عمق الذات

وهنا، تقدمت الشيطانة الشمطاء ذاتها، وعلى وجهها ابتسامة نصر صفراء، وقالت بهمس خبيث اهتزت له أركان المحفل:

"يا سيد الشر.. لكي لا يعثر الإنسان على سعادته أبداً، يجب أن نخبئها في مكان هو آخر ما قد يخطر على باله... لنخبئها في أعماق قلبه وفي باطن روحه!"


ثم أكملت مفسرة خطتها العبقرية:

"إن الإنسان مجبول على النظر إلى الخارج؛ سيبحث عن السعادة في بريق الثروة ولن يجدها، وسيلهث وراء الشهرة والأضواء ولن يجدها، وسينغمس في الملذات والشهوات ولن يجدها.. سيقضي عمره كله باحثاً عنها في الآفاق الخارجيّة، مسافراً، ومجمعاً، ومكدساً، دون أن يدرك لحظة واحدة أن الكنز الذي يبحث عنه مطمور في أعماق ذاته ليكون هو نفسه الحاجب بينه وبين روحه."


صمت المحفل بأكمله إجلالاً لهذا الخبث العظيم. وقف إبليس من على عرشه، وانحنى تقديراً واحتراماً لهذه الشيطانة الشمطاء، وأمر بتقليدها أرفع الأوسمة الجحيمية ومكافأتها على هذه الفكرة التي ضمنت شقاء البشرية إلى قيام الساعة.



خاتمة: العودة إلى كنزك الداخلي

لقد نجحت الخطة الإبليسية بامتياز؛ فها نحن نرى ملايين البشر اليوم يملكون كل مقومات الحياة المادية من أموال وقصور وشهرة، لكنهم يعيشون في قمم الاكتئاب والضياع، يلهثون وراء سراب السعادة الخارجي، بينما الكنز الحقيقي ينبض في صدورهم بانتظار التفاتة وعي واحدة.


تذكر دائماً أن سعادتك ليست في طقس تسافر إليه، ولا في رصيد بنكي تجمعه، ولا في إعجاب الناس بك؛ سعادتك هي سلامك الداخلي وصلتك بروحك وخالقك. فلا تبحث عنها في الخارج، بل طهر محراب قلبك، وستجد الكنز بانتظارك.